شيعت مصر وشيع معها الآلاف في العالم العربي السبت الماضي، الدكتور مصطفى محمود رحمه الله عن عمر يناهز 88 عاما.
رأتني ابنتي بعد أن قرأت الخبر وقد بدا علي الحزن والتأمل، فسألتني وهي الصغيرة ذات ال17 عاما فقط
من هو ماما مصطفى محمود؟!
عادت بي الذاكرة للوراء كثيرا.. كنت وكان أبناء جيلي نعرفه ونحن حتى في هذا السن، نعرفه من آبائنا وهم ينتظرون حلقات برنامجه الشهير "العلم و الإيمان".. وبعد أن كبرنا قليلا وانتظرنا برنامجه مع آبائنا.. كنا نتلهف لطرحه المختلف وكيف يطرح الحقائق العلمية كناسك متعبد ويتكلم عن الإيمان كعالم فذ.
لعل ما ميز مصطفى محمود عن غيره من المثقفين أو المفكرين، أنه امتلك معرفة علمية بل وشغفا بالعلم لا مثيل له، صاحبه لاحقا تعمق في الدين والفلسفة، ولا ننسى أنه قبل كل ذلك كان طبيباً، ولكنه برع في تشريح العقول والقلوب والمجتمع، برع في فتقها وبرع في رتقها.. بمهارته أثار الآلام وقلب المواجع ونبش في المسكوت عنه وبنفس المهارة وصف الترياق والدواء.
وقبل كل ذلك بدأ بنفسه كما كان يقول وشخص عللها وحاورها وأرهقته وأرهقتها.. ولعلنا كقراء عشنا معه ورافقناه في تحولاته.. لعل مصطفى محمود في رأيي الخاص عانى فكريا كثيرا، ولم تعرف نفسه القلقة ولا عقله المشاغب خلال رحلة حياته الطويلة، الراحة إلا قليلا.
يشهد على ذلك تحولاته وانعطافاته الفكرية.. فمن عالم مؤمن بالعلم ثم العلم فقط، إلى مسلم مستنير، ثم إلى صوفي زاهد، أرهقته المدنية وتوحش العلم والبشر.
عندما قرأت أنه عانى من فقدان الذاكرة، استنكرت ذلك لوهلة وقلت مثل هذا العقل الجبار لا يشيخ! ولكنها سنة الله في خلقه.
أثار جدلا كبيرا بمؤلفاته وطرحه، وانقسم الناس ما بين مؤيد له ومعارض، ولكن الكل على الأقل كان ينتظر ماذا سيقول مصطفى محمود، ماذا سيكتب مصطفى محمود، هو رجل ببساطة لديه دائما كلمات تستحق أن تُقرأ وتُسمع.
أرى كتبه أمامي، من لغز الحياة.. إلى رحلتي من الشك إلى الإيمان.. إلى حوار مع صديقي الملحد.. إلى العنكبوت والمستحيل.
تربيت على فكر هذا الرجل ورؤاه في مختلف مراحله، وأفخر بذلك وأتمنى أن يطلع أبنائي على إنتاجه وكل أبناء هذا الجيل. هو إنسان تصارع العقل والإيمان لديه طوال حياته، لكنه الآن أفضى إلى ما قدم، وذهب إلى لقاء ربه، ذلك اللقاء الذي طالما - رحمه الله - تمناه وابتغاه.
اضاءة:
"مصر فقدت مثقفاً كبيراً، يمتلك تجربة إيمان عميقة، حرص خلالها على أن يقرن الفقه بالعلم بالإضافة إلى كونه إماماً مهماً يدعو للإسلام بطريقة علمية."